سلسلة  شعب الإيمان

الخصلة الأولى

الصحبة و الجماعة

الشعبة العاشرة

رعاية حقوق المسلمين و الإصلاح بين الناس

قواعد منهاجية

فرض الله تعالى على المؤمنين الولاية والتناصر والتعاون. وإن تجديد الإسلام وإقامة الخلافة الإسلامية مسيرة شاقة لجند الله، تقاومهم قوى الشر المتضامنة المتألبة. فسبيل المؤمنين أن يتقدمو يدا في يد ويواجهوا قوى الباطل. وعلى جند الله أن يبسطوا يد الرحمة للمسلمين، ويبرهنوا للشعب بحمل همومه، ورعايتهم لحقوقه، أن برنامج الحل الإسلامي إقامة مجتمع العدل والرحمة والكرامة.

على مستوى التنظيم تشاع مستلزمات الأخوة بين جند الله، يكرم بعضهم بعضا، ويصلحون ذات بينهم، ويسترون عورات الناس ما لم يكن فسق أو بدعة قادحة في العقيدة، أو خيانة لأمانة الجماعة.

ومن مكملات الدعوة إدخال السرور على المسلمين وتنفيس كربهم، ومدافعة اضطهاد المستكبرين عنهم. حتى إذا اجتمعت الدعوة والدولة في يد المؤمنين كان معنى هذه الشعبة إقامة مجتمع يكرم فيه المسلمون، ويكرم فيه الإنسان.     المنهاج النبوي ص:144

الأستاذ عبد السلام ياسين

 

الأستاذ بن سالم باهشام

  بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه  

أيها الأحباب الكرام يقول الحق  عز وجل في محكم كتابه  من سورة المائدة  بعد أن نهى عن اتخاذ اليهود  و النصارى  أولياء: 

 ] يا أيها الذين آمنوا  من يرتدد منكم عن دينه  فسوف  يأتي  الله  بقوم  يحبهم  و يحبونه  أذلة على المومنين  أعزة على الكافرين  يجاهدون  في سبيل الله  ولا  يخافون  لومة  لائم  ذلك  فضل  الله  يوتيه  من يشاء  و الله  واسع  عليم، إنما  وليكم  الله  ورسوله والذين  آمنوا الذين  يقيمون  الصلاة  و يوتون  الزكاة  وهم  راكعون، ومن يتول  الله و رسوله  و الذين أمنوا  فإن حزب الله  هو الغالبون[ .

عباد  الله،  إن هذه الآيات  تصور  الملامح  التي  يتصف  بها المجتمع  الذي يحبه  الله  عز وجل، المجتمع  الذي  يمكن  أن يكون  بديلا  لمجتمعنا ولكل  مجتمع منحر ف  إن لم  يتب إلى الله  عز و جل.

فما هي إذن هذه  الملامح عباد  الله، وما هي  هذه المواصفات  التي ترسمها الآية للفئة  المختارة  من الله  عز وجل  للمجتمع  النموذجي؟  أو ل صفة  : أن الله  عز و جل  يحبهم  وهم  يحبون الله سبحانه. ولقد تحدثنا  في الشعبة الأولى  من شعب  الإيمان عن  حب الله  ونحن  بصدد  بناء  المجتمع  الذي يكون  بديلا للمجتمعات  المادية، و بينا أن  محبة  الله  لا تتحقق  إلا باتباع  رسول  الله  r. قال تعالى : ] قل إن كنتم  تحبون  الله  فاتبعوني  يحببكم  الله  و يغفر لكم ذنوبكم[.

كما لا تتحقق إلا بالحب في الله  مصداقا لقوله  تعالى في الحديث  القدسي:  "حقت محبتي للمتحابين  في  …" وكان  الحب في الله  هو الشعبة الثانية الذي تحدثنا  عنها.

الصفة الثانية  من صفات  المجتمع  البديل: هي  الذلة  على المومنين،  وصفة  الذلة  على المومنين  كانت  من شيم  الرعيل الأول من الصحابة رضوان الله  عليهم  إذ قال  تعالى  في  محكم كتابه  وهو يصفهم في سورة  الفتح:  ] محمد رسول الله  و الذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم  تراهم  ركعا سجدا  يبتغون  فضلا من الله  ورضوانا  سيماهم  في وجوههم  من  أثر  السجود [  وهذه الذلة على المومنين  التي تحلى بها الصحابة رضوان  الله  عليهم  قد اكتسبوها نتيجة  صحبتهم ومعيتهم  لرسول الله  r
و نك
تسبها نحن بصحبة  الأخيار  وزيارتهم  و إكرام  ذوي  الحرمة من العلماء و الصالحين و آل البيت  وعامة المسلمين وتوقير  الكبير  ورحمة الصغير.

روى الإمام أحمد  و الطبراني و إسناده  حسن  أن الرسول r قال:  (ليس  من أمتي من لم  ُيجِلَّ كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه).

وهذه  المواصفات التي ذكر الحديث  و التي يجب أن نتحلى بها هي التي تؤهل  كل واحد  منا ليحظى بالعضوية في المجتمع  المسلم، وإلا فليس منا كما  قال  الحبيب  المصطفى  صلوات  الله وسلامه عليه. بل  إن الرسول r يذهب  إلى أبعد  مدى  من تقدير الكبار و أصحاب  الفضل فيجعل  إكرامهم  من إجلال  الله تعالى  وذلك  في قوله في الحديث  الذي  رواه  أبو داود وهو حديث  حسن: "إن من إجلال الله  تعالى إكرام  ذي الشيبة  المسلم  وحامل القرآن  غير الغالي  فيه والجافي عنه  و إكرام  ذي السلطان  المقسط" و الجافي عن القرآن  هو التارك له، البعيد  عن تلاوته  و العمل  بما فيه، أ ما السلطان  المقسط  فهو السلطان  العادل. وقد ذكر الإمام  مسلم  في أول صحيحه  أن  عائشة  رضي الله  عنها  قالت: (أمرنا رسول الله r أن ننزل  الناس منازلهم(.

وهذا يقتضي  منا  صحبة الشعب  ومعرفته  ومعرفة أقدار الناس قصد  تقديم  العلماء  وحملة القرآن  و أصحاب  العقول  الراجحة  وأهل  الفضل،  وهذا  ما تحدثنا  عنه  في الشعبة الثالثة من شعب الإيمان  وهي "صحبة المومنين و إكرامهم " .

ثم إن الذلة على المومنين و التي تحلى بها الرعيل الأول ويتحلى بها  المجتمع  البديل الذي يحبه الله  عز وجل – جاءت  نتيجة  التخلق  بالأخلاق  الحسنة المكتسبة عن طريق  الاقتداء بالرسول r  في خلقه  و الذي كان  خلقه  القرآن، وهذا ما تحدثنا عنه  في الشعبة الرابعة  من شعب الإيمان  وهي "التأسي برسول الله r  في خلقه". ولم  يحظ  المجتمع  المسلم  البديل بمحبة الله  عز وجل إلا بحسن خلقه،  فقد  روى الطبراني  ورجاله  رجال الصحيح  أن  أسامة بن شريك  قال: ( كنا  جلوسا عند  النبي r    كأنما على رؤوسنا الطير ما يتكلم  منا  متكلم ،  إذ جاءه  ناس فقالوا: من أحب عباد الله إلى الله  تعالى؟  قال:  أحسنهم  أخلاقا). وصاحب الخلق الحسن هو الذي يستطيع معاشرة  الناس وهو الذي يستطيع  الصبر على  أذاهم، وهو  الذي يتصف بالذلة على  إخوانه  المومنين، ونظرا  لكون التربية لن تصلح  إلا إذا اعتمد  على الأسوة  الحسنة إذ الرجل  السيء لا يترك في نفوس من حوله  أثرا  طيبا،  فكذلك الشأن  بالنسبة للزوجة  فإن صاحب  الخلق  الحسن هو الذي يؤثر في أهله  الذين فتنوا وغزوا  بأدوات  الإعلام  الهدامة  و انحرفوا  عن الدين  الإسلامي،  فيستطيع  أن يحبب  لهم  الدين بخدمته  لهم  ورحمته بهم،  وهذا  ما ذكرناه  في الشعبة  الخامسة وهي "التأسي برسول الله  r في بيته". ومن الذلة على المومنين ، الذلة على الوالدين  و الأقارب  و الإحسان  إليهم  و الإحسان  إلى الصديق  قال تعالى:  ] واخفض لهما جناح  الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما  كما ربياني  صغيرا[ . وهذا ما تحدثنا عنه  في الشعبة السادسة وهي "الإحسان  إلى الوالدين  وذوي الرحم والصديق" ونظرا  لكون  الخلق  الحسن  هو ثمرة  من ثمار الإيمان  كان  من اللازم  أن  لا يتم  قران الزواج  الناجح  إلا بين  صاحبة الدين ومن نرضى دينه  وخلقه  حتى تتم هذه الذلة بين  الزوج  وزوجته ويكون بينهما تراحم ومودة وهذا ما ذكرناه  في الشعبة السابعة  في "الزواج  بآدابه  الإسلامية وحقوقه"، ومن ثمار  هذا الزواج  الإسلامي  التزام كل طرف  من الزوجين بماله  وما عليه  في  حدود  الشرع.  فيكون  الزوج  مسؤولا  عن البيت  وهو ما يعنى  به "القوامة" وتكون  المرأة  أمينة صالحة  وهو ما يعنى  به "الحافظية " وهذا ما تحدثنا عنه في الشعبة الثامنة (القوامة والحافظية)، و لا تبقى الذلة  منحصرة  فيمن  ذكرنا بل يتوسع نطاقها في المجتمع  الإسلامي المحبوب لدى الحق  سبحانه  لتشمل  الجار و الضيف  و أن  ينظم  هذا العمل  في  إطار  جماعي  يكون  فيه  التعاون على البر و التقوى،  وهذه  هي الشعبة  التاسعة  "إكرام  الجار  و الضيف "،  ويتوسع نطاق  هذه الذلة على المومنين  ليشمل  حمل هم  الأمة ومحاولة  رعاية  حقوق  المسلمين  و الإصلاح بين الناس، وهذه  هي الشعبة  العاشرة  التي  وصل بنا  المطاف  إليها ونحن  نريد  تكوين  مجتمع  يحبه  الله  عز وجل ويحب الله عز وجل، مجتمع  يرجع  الحاكمية لله  لإخراج الناس من عبادة  العباد  إلى عبادة  رب العباد  ومن  ضيق  الدنيا  إلى  سعة  الدنيا  و الآخرة،  ومن جور الأديان  إلى عدل  الإسلام،  روى البخاري  ومسلم  أن الرسول  r قال:  (كل  يوم  تطلع  فيه   الشمس  تعدل  بين  الاثنين  صدقة (اي  تصلح  بينهما  بالعدل  ) وتعين  الرجل  في  دابته  فتحمله  عليها صدقة  أو  ترفع  له عليها  متاعه  صدقة،  و الكلمة الطيبة صدقة،  وبكل خطوة  تمشيها  إلى الصلاة صدقة،  وتميط  الأذى صدقة ).

الصفة الثالثة:  هي  العزة  على الكافرين،  ومن  ثمار  هذه  العزة  الصفة  الخامسة  التي  وردت  في الآية  وهي  الجهاد  في سبيل  الله  وعدم  الخوف  من لومة اللائم.

فيا عباد الله،  إن مجاهدة  أعداء الله  الذين  يحاربوننا  بكل أنواع  الأسلحة  السمعية  و البصرية  و الحربية  يتطلب  منا  لمجاهدتهم إرجاع  الثقة  بين المومنين  إذ يجب  أن يبسطوا يد  الرحمة للمسلمين  وهو  في عملهم  الحركي. ويبرهنوا للشعب  بحملهم  همومه  ورعايتهم  لحقوقه أن برنامج  الحل الإسلامي  هو إقامة  مجتمع العدل  و الرحمة  و الكرامة  و أن من مكملات  الدعوة  إلى الله عز وجل  إدخال  السرور  على المسلمين  و تنفيس كربهم  ومدافعة  اضطهاد  المستكبرين  عنهم،  و أن يسعوا  جادين  إلى الإصلاح  بين الناس و إزالة  الضغائن بينهم وستر عوراتهم. عباد الله  إن معالجة  الضعف  البشري  لا يكون  بالكشف  عن عورات  الناس و عيوبهم  وفضحهم  و التشهير  بهم،  و إنما  يكون بحسن  عرض الحق  على  أسماعهم  و تزيين  الطاعة، لهم وتكريه المعصية إليهم.

أخرج  البخاري  في الأدب  المفرد  أن رسول الله r قال: "من رأى من مسلم عورة  فسترها  كان  كمن  أحيى  موءودة من قبرها".

هذه  هي مواصفات  المجتمع  الذي نطمح  إليه  وهذا فضل الله يؤتيه  من يشاء وهو الواسع  العليم  سبحانه و تعالى،  وهذا هو حزب الله  الغالب. فاللهم اجعلنا منهم آمين ولا إله إلا الله محمد رسول الله r.

ألقيت يوم 4 ذوالقعدة 1417 /  14 مارس 1997
 

الصفحة الرئيسية