سلسلة  شعب الإيمان
الخصلة الأولى

الصحبة والجماعة

الشعبة الأولى

محبة الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم

قواعد منهاجية  

يعرف المؤمن أن لله عز وجل أولياء، فالولاية العامة هي ولاية المؤمنين في قوله تعالى : " ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون". والولاية الخاصة في قوله عز من قائل  "يختص برحمته من يشاء"، أولياء الله يحبهم ويحبونه، فيسعى المؤمن لمحبتهم ليدرجوه ويعلموه محبة الله ورسوله. وما لصحبة الأخيار من غاية إلا أن يدلوك على الله ويحببوه إليك، فإذا علمت أن الله عز وجل يتقرب إليه بالفرض والنفل حتى يحب  العبد فيكون سمعه وبصره ويده ورجله كما يليق بجلاله وسبحانه، وذقت حلاوة الإيمان، ثم تنسمت ريح القربة حتى اصبح همك الأول الله، وغايتك وجهه ومحابه، ومحاب رسوله مبتغاك، فقد أشرفت على قمة العقبة.

وما يشرف عليها من لم يصبح الله ورسوله أحب إليه من نفسه ووالده وولده، روى البخاري وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال " والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده"، بعضهم يعمد إلى تعبير المؤمنين عن هذه المحبة كالتسييد ينتقده يوشك هؤلاء أن ينسونا أن محبته صلى الله عليه وسلم البالغة شرط في الإيمان، لا إيمان بدونها.    المنهاج النبوي ص:137-138

الأستاذ عبد السلام ياسين

الأستاذ بن سالم باهشام

   بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه  

 يقول الحق عز وجل في محكم كتابه من  سورة  الليل[ والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى  وما  خلق  الذكر والأنثى  إن سعيكم  لشتى].

أيها الاخوة الأحبة في الله، بماذا أقسم  الحق عز وجل في هذه السورة وهورب العزة والجبروت؟ وعلى  ماذا أقسم؟

لقد  أقسم  سبحانه  وتعالى  بهذه  المخلوقات  التي  تدل  على وحدة  المسير والمدبر  وعلى  عظمته  سبحانه.  على  أن سعي  هذا الإنسان  الذي  هوسيد  هذا الكون  والذي  من أجله  بعث  الرسل  عليهم  السلام  مختلف،  مختلف في حقيقته، ومختلف في بواعثه، ومختلف  في اتجاهه،  ومختلف  في نتائجه. ورغم  هذا الاختلاف  يمكن  جمع أشتات  هذا البشر  المتباين  في صفين  متقابلين  وتحت  رايتين  عامتين.

الصف  الأول: هوصاحب  الراية  التي  تحمل  شعار  العطاء  والتقوى  والتصديق  بالحسنى.

الصف  الثاني:  هوصاحب الراية التي تحمل شعار البخل والاستغناء والتكذيب  بالحسنى.

طريقان لا ثالث لهما.

طريق يسلكه الذي يعطي ويتقي  ويصدق بالحسنى، إنهم بذلوا  كل جهدهم  لتزكية  أنفسهم فكان جزاؤهم العون من الله  عز وجل، وتوفيقه الذي أوجبه سبحانه وتعالى  على نفسه بإرادته ومشيئته، وبدون هذا العون لا يكون  شيء ولا يقدر  الإنسان  على شيء  مهما  بلغت  قوته.

وطريق يسلكه الذين يبخلون بأنفسهم  وأموالهم ويستغنون عن ربهم وهداه ويكذبون  بدعوته ودينه، فكان نتيجة استغنائهم عن الله  توفيقهم إلى كل وعورة وحرمانهم من كل يسير،  والانحراف بهم عن طريق الرشاد. فإذا بهم  يفسدون ويهلكون أنفسهم وهم يعتقدون أنهم  يحسنون صنعا. في حين أن الله يصعد بهم في طريق  الشقاوة نتيجة استغنائهم، فإذا بهم وهم في طريقهم يتعثرون ويتقون  العثار بعثرة أخرى  تبعدهم عن طريق الله وعن رضاه، فإذا سقطوا في نهاية العثرات والانحرافات لم يغن عنهم ما استغنوا  به عن الله شيئا، لقد بخلوا بأنفسهم عن الله  فباعوها للشيطان، وبخلوا بأموالهم عن الله فضيعوها في الشهوات.

أيها الإخوة الأحباب، إن كل إنسان  على وجه هذه البسيطة إلا وهويسعى وينفق  ويتعب ويريد السعادة، إلا أنهم يختلفون في الدافع،  فصف الذي يعطي ويتقي ويصدق دافعه حب الله  ورسوله .

أما صف الذي يبخل عن الله ويعطي  لغير وجه الله ويستغني عن الله ويطلب غير  الله  ويتذلل لغيره فدافعه حب  الدنيا وشهواتها، قال تعالى في محكم كتابه في سورة البقرة: [ومن الناس من يتخذ من دون  الله  أندادا  يحبونهم  كحب الله  والذين  آمنوا  أشد  حبا لله ].

إنهما صنفان أيها الإخوة الكرام

صنف مشرك بالله، وليس المراد بالشرك هنا سوى محبة وتعظيم غير الله، إذ لم يدعي  أحد  أن غير الله خلق شيئا. ودافع هؤلاء في السعي هوحبهم لهذه الأنداد.

وصنف مومن بالله لا يحبون شيئا مثل  حبهم لله، لا أنفسهم ولا سواهم، لا أشخاصا ولا  اعتبارات، ولا قيما من قيم هذه الأرض التي يجري  وراءها الناس ويتنافسون عليها.

أيها الأحبة الكرام، إن كل الأعمال  التي يقوم بها الإنسان خيرا كانت أوشرا هي  بمثابة بنيان، فمن أراد علوبنيانه فبالإضافة إلى   إصلاح العمل، عليه بإحكام أساسه، فالأعمال
والدرجات بنيان، وأساسها الإيمان. ومتى كان  الأساس وثيقا حمل البنيان واعتلى عليه، وإذا تهدم  شيء من البنيان سهل تداركه، أما إذا كان  الأساس غير وثيق لم  يرتفع البنيان ولم يثبت، وإذا تهدم شيء من الأساس سقط البنيان أوكاد، قال  تعالى في سورة  التوبة:  [أفمن  أسس بنيانه  على تقوى  من الله  ورضوان  خير  أمن  أسس بنيانه  على شفا  جرف  هار  فانهار  به  في نار جهنم[.

فيا أخي الكريم احمل بنيانك على قوة  أساس الإيمان والإيمان شعب، قال عليه الصلاة
والسلام: "الإيمان  بضع وسبعون شعبة أعلاها  قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن  الطريق، والحياء شعبة  من الإيمان" وإلا فإن الكفار يعملون بعض الصالحات ولكن دون  أساس، لهذا قال سبحانه وتعالى في حقهم: [وقدمنا  إلى ما عملوا من عمل  فجعلناه  هباء منشورا].

    حب الله  عز وجل

أيها الأخ الكريم، اعلم أن الأساس إذا كان قويا ومتينا سهل تدارك البنيان إذا تشعث شيء من أعاليه أوسطحه وكان ذلك أسهل من خراب الأساس. ولب هذا الأساس أمران: 

أولا: صحة المعرفة بالله وأمره وأسمائه  وصفاته.

ثانيا: تجريد الانقياد له سبحانه وتعالى  ولرسوله  .

وهذا أوثق أساس أسس العبد عليه  بنيانه. وبحسب هذا الأساس يرتفع  البنيان.

أخي الكريم، إنك إذا نظر ت إلى الواقع  فستجد الكثير من الناس يعرضون عن أوامر الله  ويستجيبون لأوامر غيره.

يدعون محبة الله باللسان ويحبون غيره  بالجنان، والسبب في ذلك هوهشاشة الأساس القائم عليه البنيان، إذ لوعرفنا عن الله ما نعرفه  عن غيره ما اتخذنا عليه شريكا.

اعلم أخي الكريم أن  القلوب إذا كانت  مفطورة مجبولة على حب من أنعم عليها وأحسن إليها، فإن الشخص يحب كل من منحه في دنياه  مرة أومرتين معروفا منقطعا، كما يحب من أنقذه  من مهلكة أومضرة فما بالك بمن منحه منحا لا تبيد ولا تزول، مَن كل الإحسان منه سبحانه عز وجل، فما بخلقه من نعمة فمنه وحده سبحانه،  قال تعالى: ]وما بكم  من نعمة  فمن  الله  ثم  إذا  مسكم  الضر  فإليه  تجأرون[. فعطاؤه وعدله  وفضله وبره ورحمته وإحسانه وستره وعفوه  وحلمه وصبره على عبده وإجابته لدعائه  وكشف كربه من غير حاجة منه إليه بل مع غناه  التام عنه، كل ذلك داع للقلوب إلى محبته سبحانه  وتعالى، ولكننا ويا للمصيبة نجهل عن الله ما يجعلنا نرد أوامره ونرفض تعاليمه ونعرض عن هديه  سبحانه وتعالى رغم ما فيه من السعادة والتكريم  للبشرية، قال تعالى  في سورة  طه:

[ فمن اتبع  هداي  فلا يضل ولا يشقى، ومن أعرض عن ذكري  فإن له  معيشة  ضنكا  ونحشره  يوم  القيامة أعمى] . أوحى  الله تعالى إلى داود  عليه السلام: "لويعلم المدبرون عني كيف  انتظاري لهم ورفقي بهم وشوقي إلى ترك معاصيهم لماتوا شوقا إلي. وتقطعت أوصالهم من محبتي. يا داود هذه إرادتي في المدبرين علي. فكيف إرادتي في المقبلين  علي".

إن معنى حبك للشيء يا أيها الأخ الكريم، وأنت يا أيتها الأخت الكريمة هوميلك  له بكليتك ثم إيثارك له على نفسك وروحك  ومالك ثم موافقتك له سرا وجهرا، ثم علمك  بتقصيرك في حبه.

فيا أخي الكريم، هل ملت إلى الله  بكلتيك وفضلته سبحانه وتعالى على نفسك  وروحك ومالك؟ وهل تمت موافقتك له سرا  وجهرا دون اعتراض منك؟ ثم هل علمت رغم ما بذلته من عمل صالح أنك مقصر في حبه، أم أنك  تدعي محبة الله باللسان وحالك يكذب ادعاءك؟

   تعصي الإله وأنت تظهر  حـبه               هذا لعمري في الفعال  شنيع

   لوكان  حبك  صادقا  لأطــعته               إن المحب  لمن  يحب مطيع

 فيا  أخي الكريم، لا تخدع نفسك  وتدعي ما ليس فيك فتحرم من لذة الإيمان الذي لا يذوق طعمه إلا من كان الله ورسوله أحب إليه  مما سواهما.

         الأسباب التي تتحقق بها محبة الله عز وجل.

أخي الكريم، أختي الكريمة، تعاليا بنا  لنتعرف  على الأسباب  التي تتحقق بها  محبة  الله  عز وجل.

أولا: قراءة  القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه  والتفطن لمراد الله منه، والقرآن الكريم  مملوء بذكر من يحبه الله سبحانه من عباده، قال تعالى: [ والله يحب المحسنين]، [ إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص]، [ فإن الله يحب المتقين] …

ثانيا: التقرب إلى الله تعالى بالنوافل بعد  الفرائض فإنها توصل إلى درجة المحبوبية بعد المحبة. جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله  عنه قال: قال رسول الله  :  يقول  الله تعالى:  ] … وما تقرب  إلي عبدي بشيء أحب إلي من أداء ما افترضته  عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه… [ الحديث.

ثالثا: دوام ذكره سبحانه على كل حال  باللسان والقلب والعمل والحال، فنصيب المحب  من المحبة على قدر نصيبه من هذا الذكر.

رابعا: إيثار محابه سبحانه على محابك  عند غلبات الهوى.

خامسا: مطالعة القلب لأسمائه سبحانه  وصفاته ومشاهدتها. وتقلبه في رياض هذه المعرفة ومباديها، فمن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله  أحبه سبحانه لا محالة.

سادسا: مشاهدة بره وإحسانه ونعمه  الظاهرة والباطنة فإنها داعية إلى محبته.

سابعا: -وهومن أعجبها  - انكسار  القلب بكليته بين يديه سبحانه.

ثامنا: الخلوة به سبحانه وقت النزول  الإلهي، أي وقت التجلي الإلهي، -وهوفي الأسحار  قبل  الفجر- لمناجاته وتلاوة كلامه والوقوف  بالقالب والقلب بين يديه، ثم ختم ذلك  بالاستغفار والتوبة. قال تعالى  في سورة الذاريات:]كانوا  قليلا، من الليل  ما يهجعون  وبالأسحار هم يستغفرون[

تاسعا: مجالسة المحبين الصادقين. قال  تعالى في سورة  التوبة: ] يا أيها  الذين آمنوا اتقوا الله  وكونوا مع الصادقين[.

والتقاط أطايب ثمرات كلامهم، وأن لا يتكلم - أي المحب- إلا إذا ترجحت مصلحة  الكلام. وعلم أن فيه مزيدا لحاله. وفي صحبة  هؤلاء المحبين الصادقين والحرص عليها وحبهم  إنهاض للحال. واقتصار للطريق الموصل إلى الحق عز وجل، وتيسير لتحقيق الأسباب السابقة  الذكر.

عاشرا: مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله عز وجل. ومع كل  هذه  الأسباب يكثر الفرد من الدعاء الذي هومخ  العبادة، روى الترمذي  أن رسول الله   كان يقول: "اللهم إني أسألك حبك وحب من أحبك  وحب ما يقربني  إلى حبك".

بهذه الأسباب  أيها الإخوة الكرام وصل  المحبون إلى منازل المحبة فأحبوه سبحانه وتعالى أولا لنعمه عليهم كما قال ابن مسعود رضي الله عنه:"جبلت القلوب على حب من أحسن  إليها". ثم بعدها أحبوه سبحانه لأنه هوالله وكان شعارهم قول القائل:

أخلي  فؤادي  من كل شائبــة              إن عشت أومت أعضائي توحده

وكيف  أرضى بغير الله  متجها                 والكل  والجزء والأحشاء  تعبده

إذا سهرت  فما أسهرت عن                  ملل لكنه الحب يدعوني وأشهده                          

وقول  القائل:

طلب الحبيب من الحبيب  رضاه               ومنى الحبيب  من الحبيب  لقاه

أبدا يلاحظه  بعيني  قلبـه                     والقلب  يعرف  ربه  ويراه

 يرضى  الحبيب  من الحبيب  بقربه            دون العباد فما يريد  سواه

وهاك يا أخي الكريم، ويا أختي  الكريمة سبع خصال أخرى مؤدية إلى حال المحبة وهي:

أولا: ألا تحزن على ما فاتك.

ثانيا: ولا تحمل هم ما لم ينزل بك.

ثالثا:  ولا تلم الناس على ما فيك مثله 

رابعا:  ولا تطلب الجزاء على ما لم تعمل.

خامسا: ولا تنظر بالشهوة إلى ما لا تملك.

سادسا: ولا تمدح من يعلم نفسه  خلاف ذلك، وهذا شأن أهل الله من المحبين.

q علامات محبة العبد لمولاه

من علامات  محبة العبد لمولاه:

أولا:   تقديم أمور الآخرة وكل ما يقرب من الحبيب على أمور الدنيا.

ثانيا:  إيثار محبة الله على هوى النفس

ثالثا:  اتباع رسوله   فيما  أمر به ونهى عنه.

رابعا:  الخضوع لأوليائه من العلماء  بالله العاملين له.

خامسا: التعزز على أبناء الدنيا المؤثرين لها دون كبرياء كما أمر الله حبيبه  في قوله تعالى: ] وتبتل إليه تبتيلا [.

سادسا: ألا يخاف في حبه لومة لائم ولا مدح مادح، وقد وصف سبيل الحب لله أبوالحسن أحمد بن الحسين في قوله: "سمعت أبا عبد  الله أحمد بن عطاء الرزباري يقول: العلم موقوف على العمل، والعمل موقوف على الإخلاص فيه  والإخلاص لله يورث الفهم عن الله تعالى ويدني من الحب".

q العلاقة بين العبادة وحب الله عز وجل

أيها الأخ الكريم، يقول الحق عز وجل  في سورة  الذاريات : ] وما خلقت  الجن والإنس إلا ليعبدون،  ما أريد  منهم من رزق وما أريد أن  يطعمون،  إن الله هوالرزاق ذوالقوة  المتين [.

إنك أيها الأخ الكريم، وأنت أيتها  الأخت الكريمة ما خلقتما إلا لعبادة الله عز وجل. وأصل العبادة كما قال ابن القيم رحمه الله وغيره:  محبة الله، بل إفراده بالمحبة، وأن يكون الحب كله  لله فلا يحب معه سواه وإنما يحب لأجله وفيه.

وقال  ابن القيم  رحمه  الله  في مدارج  السالكين في المجلد  الأول: والعبادة تجمع  أصلين:

*غاية الحب بغاية الذل والخضوع. 
والعرب تقول: طريق معبد أي مذلل، والتعبد :  التذلل والخضوع فمن أحببته ولم تكن خاضعا له، لم تكن عابد له. ومن خضعت له بلا محبة لم تكن عابدا له حتى تكون محبا خاضعا.

q حب الله عز وجل  أساس الدين كله

قال رحمه الله في المجلد الثالث عن المحبة: [وهي روح الإيمان والأعمال والمقامات
والأحوال التي متى خلت منها فهي كالجسد الذي لا روح  فيه. تحمل أثقال السائرين إلى بلد لم يكونوا إلا بشق الأنفس بالغيها، وتوصلهم  إلى منازل لم يكونوا بدونها أبدا واصليها، وتبوؤهم  من مقاعد الصدق مقامات لم يكونوا لولاها داخليها] وليست أيها الأخ الكريم مسألة حب الله  من المسائل التي للعبد عنها غنى أومنها بد  كدقائق العلم والمسائل التي يختص بها بعض الناس دون بعض. كما قال كذلك ابن القيم في كتابه  طريق الهجرتين وباب السعادتين: (بل هذه مسألة  تفرض على العبد، وهي أصل عقد الإيمان الذي لا يدخل فيه الداخل  إلا بها. ولا فلاح للعبد ولا  نجاة له من عذاب الله إلا بها. فليشغل بها العبد
أوليعرض عنها، ومن لم يتحقق بها علما وحالا وعملا لم يتحقق بشهادة أن لا إله إلا الله فإنها  سرها وحقيقتها ومعناها وإن أبى ذلك الجاحدون  وقصر عن علمه الجاهلون فإن الإله هوالمحبوب  المعبود، لهذه الأسباب كان البدء بهذه الشعبة في سلم الأولويات، فمن شعب الإيمان وبها بدأنا  أساسنا الذي عليه نقيم بنيان أعمالنا، وهي قطب رحى الدين الذي عليه مداره، وإذا صحت صح  بها كل مسألة وحال وذوق، وإذا لم يصححها  العبد فالفساد لازم في علومه وأعماله وأحواله  وأقواله، فمحبة الله هي رأس الأولويات فعليها  نبحث وفيها نتذاكر، وعن أسباب تحقيقها  نفتش. وعن السبيل الموصل إليها نسعى بدل أن نخوض فيما يفرق صفنا، ونضيع أوقاتنا فيما  دونها.

         حب رسول  الله 

وبعد محبة الله تأتي محبة رسول الله  ، قال  أبوسليمان  الداراني: لما ادعت القلوب محبة الله أنزل الله محنة ] قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم [  قال بعض السلف: ادعى قوم محبة الله فأنزل الله آية المحنة ] قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله [ وقال سبحانه:
] يحببكم الله [ إشارة إلى دليل المحبة وثمرتها وفائدتها، فدليل محبة الله وعلامتها، اتباع الرسول   وفائدتها وغرتها محبة المرسل لكم فما لم تحصل المتابعة فليست محبتكم لله حاصلة، وتكون بالتالي محبته سبحانه وتعالى لكم منتفية لهذا جاءت في هذه الشعبة محبة رسول الله مقترنة بمحبة الله عز وجل. قال بعض الحكماء: ليس الشأن أن تُحِب إنما الشأن أن تُحَب.

أيها الإخوة الأحباب الكرام، إن محبة الرسول   واجبة ولا إيمان للشخص بدونها لهذا أخرج  البخاري ومسلم  أن أنسا بن مالك  رضي الله عنه قال: قال رسول الله   : "لا يؤمن أحدكم  حتى  أكون  أحب  إليه  من ولده  ووالده والناس أجمعين ". وفي رواية للبخاري
ومسلم : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب  إليه من أهله وماله والناس أجمعين " ولقد بين  الرسول  الدافع  لحبه  فيما رواه  الحاكم  في المستدرك وصححه، ووافقه الذهبي: "أحبوا الله  لما يغدوكم به من نعمة وأحبوني لحب الله،
وأحبوا أهل بيتي لحبي".

أيها الإخوة الأحباب الكرام، قد يكون أحدكم في أزمة اقتصادية نتيجة ديون متراكمة  فيسددها عنك أحد الأشخاص وينقذك من سجن  محتوم، أوقد تكون في وسط بحر لجي تتلاطمك  الأمواج فيأتي شخص ينقذك من غرق محتوم، إنك  لا تنسى فضل أحدهما، بل إنك تستصغر كل ما  تريد أن تكافئه به، بل قد تحتقر حتى نفسك أمام  فضله عليك. فكيف بمن منحنا الله به منح الدنيا  والآخرة، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، ووقانا  من العذاب الأليم، وأرسله رحمة للعالمين، إنه الرسول ، لهذا استحق أن يكون حظه من محبتنا له أولى وأزكى من محبتنا لأنفسنا وأولادنا  وأهلينا وأموالنا والناس أجمعين، إن تعظيمك  للرسول   لا يكفي، وكل من لم يجد في نفسه  محبة الرسول   لم يكمل إيمانه، وإلى هذا يومئ قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الحديث  الذي رواه البخاري: "كنا مع رسول الله  وهوآخذ بيد  عمر بن الخطاب فقال له عمر: والله يا رسول الله! لأنت أحب إلي من كل شيء إلا نفسي  فقال رسول الله  :"لا والذي نفسي  بيده  حتى أكون أحب إليك من نفسك ". قال عمر: فأنت الآن والله أحب إلي من نفسي. فقال  رسول الله: "الآن يا عمر". هذا  دليل  أن هذه المحبة ليست باعتقاد الأعظمية فقط، فإنها كانت  حاصلة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل ذلك قطعا.

أيها الإخوة الأحباب الكرام، الكثير ممن  يدعي محبة الله ورسوله   ويعتقد أن المحبة يكفي فيها استدعاء الناس قصد الاحتفال بمولد  الرسول  وقراءة سيرته، ولا ضير إن لم يتورع  الشخص من تعاطي المحرمات. وبالمقابل لهؤلاء من يعتقد أن المحافظة على بعض سنن رسول الله   مع جفاء الطبع وقساوة القلب وسوء الأخلاق لا يعارض محبة الرسول  ، إن هذا كله ادعاء. وهولا ينجي الفرد ولا يفيد صاحبه، بل لا بد من تصحيح الوضع ونهج السبيل الأقوم، والبحث  عن الأسباب الجالبة لمحبة الرسول  ، يقول الحليمي رحمه الله كما نقل البيهقي في شعب  الإيمان: "وأصل  هذا الباب  أن يقف  على  مدائح رسول الله  . والمحاسن  الثابتة  له  في نفسه، ثم على حسن  آثاره في الدين وما  يجب له من الحق على أمته شرعا وعادة، فمن أحاط بذلك  وسلم عقله، علم أنه أحق بالمحبة من الوالد الفاضل  في نفسه، البر الشفيق على ولده، ومن المعلم  الرضي في نفسه المقبل على التعلم المجتهد في التخريج.

ومدائح  رسول الله    كثيرة  منها  شرف  أصله  وطهارة  مولده،  ومنها أسماؤه  التي اختارها  الله له وسماه  بها. ومنها  إشادة الله  تعالى  بذكره  قبل  أن يخلقه حتى عرفه الأنبياء  صلوات الله عليهم  وأممهم قبل أن يعرف  نفسه  وتعرفه  أمته  ومنها  حسن  خَلْقه وخُلُقه  وكرم  خصاله  وشمائله، ومنها  بيانه وفصاحته، ومنها حدبه على أمته  ورأفته بهم،  وما ساق  الله تعالى  به إليهم  من الخيرات  العظيمة في الدنيا  وعرضهم  له  من شفاعته  لهم  في الآخرة،  ومنها زهده  في الدنيا  وصبره  على  شدائدها  ومصائبها. وأما  المرتبة  العظمى  وهي النبوة  والرسالة  فله  فيها  من المآثر الرفيعة عموم رسالة  الثقلين  وشمولها، وأنه خاتم  النبيين  وسيد  المرسلين وأكرمهم  في الدنيا أعلاما،  وأحمدهم  في الآخرة  مقاما. وذلك  أنه أول  من تشق عنه  الأرض، وأول  شافع  ومشفع،  وهو صاحب  اللواء  المحمود،  وصاحب  الحوض المورود. وأقسم  الله  بحياته  ولم  يخاطبه  باسمه  في القرآن  ولا  كنيته  بل  دعاه  باسم  النبوة  والرسالة.

أيها الإخوة  الأحبة الكرام،  إن الناس متفاوتون  في محبة  الرسول  بحسب  استحضار  ما وصل  إليهم  من جهته  من النفع  الشامل  لخير الدارين،  ولا  شك  أن حظ  الصحابة  رضي الله  عنهم  في هذا  المعنى  أتم، لأن المحبة هي ثمرة  المعرفة  وهم  بها أعلم. يروي  ابن إسحاق  أن امرأة  من  الأنصار  قتل أبوها  وأخوها  وزوجها  يوم أحد مع رسول الله   فقالت: "ما فعل برسول الله ؟  قالوا :  خيرا،  هوبحمد  الله  كما تحبين.  قالت:  أرونيه حتى  أنظر إليه، فلما  رأته  قالت:  كل مصيبة  بعدك  جلل" أي صغيرة.وهذا  أنصاري آخر أتى  النبي  كما ذكر  عامر  الشعبي  فقال: "والله  يا رسول  الله  لأنت  أحب  إلي من نفسي ومالي  وولدي  وأنهلي  ولوأني  آتيك  فأراك  لرأيت أن أموت.  وبكى  الأنصاري  فقال له  رسول الله  : "ما أبكاك " قال : بكيت  أن ذكرت  أنك ستموت  ونموت فترفع  من النبييين  ونكون  نحن  إذا دخلنا  الجنة دونك  فلم  يرجع  الرسول   بقول فأنزل الله: ]ومن  يطع  الله والرسول  فأولئك مع الذين  أنعم الله عليهم  من النبيين  والصديقين  والشهداء والصالحين  وحسن أولئك  رفيقا[ ".

وذكر مقاتل بن سليمان  أن هذا الرجل الأنصاري  هوعبد الله بن زيد  الذي  رأى  الأذان.  وذكر أيضا أن عبد الله  بن زيد  هذا  كان يعمل  في جنة له. فأتاه  ابنه فأخبره أن النبي  قد توفي  فقال:  (اللهم أذهب بصري حتى  لا أرى  بعد  حبيبي محمد أحدا،  فكف بصره).

أيها الأحباب الكرام،  اعلموا  أنه  لا حياة  للقلب  إلا بمحبة الله تعالى  ومحبة رسوله  ، ولا عيش إلا  عيش المحبين الذين قرت أعينهم  بحبيبهم  وسكنت  نفوسهم  إليه. واطمأنت  قلوبهم  به،  واستأنسوا  بقربه، وتنعموا  بمحبته.  واعلموا  كذلك أن في القلب  مكان  لا يسده إلا محبة الله ورسوله  ، ومن لم  يظفر بذلك  فحياته  كلها  هموم  وغموم  وآلام  وحسرات،  أما من  ظفر  بحبه  فإنه يزهد  في التعلقات  الفانية  ويدأب في تصحيح  التوبة، والقيام  بالمأمورات  الظاهرة  والباطنة، ثم يقوم  حارسا  على قلبه  فيصفو لذلك  قلبه  بذكر  ربه  ومحبته  وإلانابة  إليه. فحينئذ يجتمع  قلبه  وخواطره وحديث نفسه  على إرادة ربه  وطلبه  والشوق  إليه، فإذا صدق في ذلك  رزق  محبة الرسول  واستولت  روحانيته  على قلبه. فجعله إمامه وأستاذه  وقدوته. كما  جعله  الله  نبيه  ورسوله  فيطالع سيرته   ويعرف  صفاته وأخلاقه  وآدابه  وحركاته  وسكونه  ويقظته  ومنامه  ومعاشرته  لأهله وأصحابه  إلى غير  ذلك  مما منحه  الله تعالى  حتى  كأنه  معه  من بعض أصحابه.

لا إله إلا الله  محمد رسول  الله.

     فيا رب الأربـاب، ويا من إذا دعي استجاب أنلني رضاك  وحببه  بي وسهل  إلهي  به مطلبي وشفعه فيَّ وأمي وأبي   وقومي وصحبي أهل الذمام ومن حوضه يا إلهي اسقنا وبالبعد  عنه  فلا تشقنا وتحت  لواء  له رقنا لأعلى فردوس  دار السلام وحسن بفضلك  أحوالنا وبلغ  من الخير  آمالنا وأنعم  بختمك  آجالنا   على  دين  طه  بحسن  الختام عليه  الصلاة عليه السلام

الصفحة الرئيسية